محمد بن جرير الطبري

41

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

للسماء : احفظي ولدي بالأمانة ، فأبت ؛ وقال للأرض ، فأبت ؛ فقال للجبال ، فأبت ؛ فقال لقابيل ، فقال : نعم ، تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك ؛ فلما انطلق أدم وقربا قربانا ، وكان قابيل يفخر عليه فيقول : أنا أحق بها منك ، هي أختي ، وأنا أكبر منك ، وأنا وصي والدي ؛ فلما قربا ، قرب هابيل جذعة سمينة ، وقرب هابيل حزمة سنبل ، فوجد فيها سنبلة عظيمة ، ففركها فأكلها ، فنزلت النار فأكلت قربان هابيل ، وتركت قربان قابيل ، فغضب وقال : لأقتلنك حتى لا تنكح أختي ، فقال هابيل إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ إلى قوله : فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فطلبه ليقتله ، فراغ الغلام منه في رؤوس الجبال ؛ وأتاه يوما من الأيام ، وهو يرعى غنمه في جبل ، وهو نائم ، فرفع صخرة ، فشدخ بها رأسه ، فمات ، وتركه بالعراء ، ولا يعلم كيف يدفن ، فبعث الله غرابين أخوين فاقتتلا ، فقتل أحدهما صاحبه ، فحفر له ، ثم حثا عليه ؛ فلما رآه قال : يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فهو قول الله تبارك وتعالى : فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ فرجع آدم فوجد ابنه قد قتل أخاه ، فذلك حين يقول : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ إلى آخر الآية . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما قاله الذين قالوا : إنه عني بالأمانة في هذا الموضع : جميع معاني الأمانات في الدين ، وأمانات الناس ، وذلك أن الله لم يخص بقوله : عَرَضْنَا الْأَمانَةَ بعض معاني الأمانات لما وصفنا . وبنحو قولنا قال أهل التأويل في معنى قول الله : إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا يعني قابيل حين حمل أمانة آدم لم يحفظ له أهله . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : ثنا سفيان ، عن رجل ، عن الضحاك ، في قوله : وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ قال آدم إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا قال : ظلوما لنفسه ، جهولا فيما احتمل فيما بينه وبين ربه . حدثنا علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا غر بأمر الله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا قال : ظلوما لها ، يعني للأمانة ، جهولا عن حقها . القول في تأويل قوله تعالى : لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً يقول تعالى ذكره : وحمل الإنسان الأمانة كيما يعذب الله المنافقين فيها الذين يظهرون أنهم يؤدون فرائض الله ، مؤمنين بها ، وهم مستسرون الكفر بها ، وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ بالله في عبادتهم إياه الآلهة والأوثان ، وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يرجع بهم إلى طاعته ، وأداء الأمانات التي ألزمهم إياها حتى يؤدوها وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لذنوب المؤمنين والمؤمنات ، بستره عليها ، وتركه عقابهم عليها رَحِيماً أن يعذبهم عليها بعد توبتهم منها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا سوار بن عبد الله العنبري ، قال : ثني أبي ، قال : ثنا أبو الأشهب ، عن الحسن أنه كان يقرأ هذه الآية : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ حتى ينتهي لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ فيقول : اللذان خاناها ، اللذان ظلماها : المنافق والمشرك . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ